ابن كثير

44

البداية والنهاية

الفارسي . وجعل الكاتب زياد بن أبي سفيان . قالوا : وكان في هذا الجيش كله من الصحابة ثلاثمائة وبضعة عشر صحابيا ، منهم بضعة وسبعون بدريا ، وكان فيه سبعمائة من أبناء الصحابة رضي الله عنهم . وبعث عمر كتابه إلى سعد يأمره بالمبادرة إلى القادسية ، والقادسية باب فارس في الجاهلية ، وأن يكون بين الحجر والمدر ، وأن يأخذ الطرق والمسالك على فارس ، وأن يبدروهم بالضرب والشدة ، ولا يهولنك كثرة عددهم وعددهم ، فإنهم قوم خدعة مكرة ، وإن أنتم صبرتم وأحسنتم ونويتم الأمانة رجوت أن تنصروا عليهم ، ثم لم يجتمع لهم شملهم أبدا إلا أن يجتمعوا ، وليست معهم قلوبهم . وإن كانت الأخرى فارجعوا إلى ما وراءكم حتى تصلوا إلى الحجر فإنكم عليه أجرأ ، وإنهم عنه أجبن وبه أجهل ، حتى يأتي الله بالفتح عليهم ويرد لكم الكرة . وأمره بمحاسبة نفسه وموعظة جيشه ، وأمرهم بالنية الحسنة والصبر فإن النصر ( 1 ) يأتي من الله على قدر النية ، والاجر على قدر الحسبة ، وسلوا الله العافية ، وأكثروا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، واكتب إلي بجميع أحوالكم وتفاصيلها ، وكيف تنزلون وأين يكون منكم عدوكم ، واجعلني بكتبك إلي كأني أنظر إليكم ، واجعلني من أمركم على الجلية ، وخف الله وارجه ولا تدل بشئ ، واعلم أن الله قد توكل لهذا الامر بما لا خلف له ، فاحذر أن يصرفه عنك ويستبدل بكم غيركم . فكتب إليه سعد يصف له كيفية تلك المنازل والأراضي بحيث كأنه يشاهدها ، وكتب إليه يخبره بأن الفرس قد جردوا لحربه رستم وأمثاله ، فهم يطلبوننا ونحن نطلبهم ، وأمر الله بعد ماض ، وقضاؤه مسلم ، إلى ما قدر لنا وعلينا ، فنسأل الله خير القضاء وخير القدر في عافية . وكتب إليه عمر : قد جاءني كتابك وفهمته ، فإذا لقيت عدوك ومنحك الله أدبارهم ، فإنه قد ألقى في روعي أنكم ستهزمونهم فلا تشكن في ذلك ، فإذا هزمتهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن فإنه خرابها إن شاء الله . وجعل عمر يدعو لسعد خاصة وله وللمسلمين عامة . ولما بلغ سعد العذيب اعترض للمسلمين جيش للفرس مع شيرزاد بن اراذويه ، فغنموا مما معه شيئا كثيرا ووقع منهم موقعا كبيرا ، فخمسها سعد وقسم أربعة أخماسها في الناس واستبشر الناس بذلك وفرحوا ، وتفاءلوا ، وأفرد سعد سرية تكون حياطة لمن معهم من الحريم ، على هذه السرية غالب بن عبد الله الليثي . غزوة القادسية ثم سار سعد فنزل القادسية ، وبث سراياه ، وأقام بها شهرا لم ير أحدا من الفرس ، فكتب إلى عمر بذلك ، والسرايا تأتي بالميرة من كل مكان . فعجت رعايا الفرس من أطراف بلادهم إلى

--> ( 1 ) في الطبري : المعونة .